الصالحي الشامي
18
سبل الهدى والرشاد
وعن أنس ، عنه صلى الله عليه وسلم : ( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط . وقد قال المفسرون في قوله تعالى : ( من يعمل سوءا يجز به ) ، إن المسلم يجزى بمصائب الدنيا ، فتكون له كفارة . وروي هذا عن عائشة ، وأبي ، ومجاهد . وقال أبو هريرة ، عنه صلى الله عليه وسلم : ( من يرد الله به خيرا يصب منه ) . وقال في رواية عائشة : ( ما من مصيبة تصيب المسلم إلا يكفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها ) . وقال في رواية أبي سعيد : ( ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ، ولا هم ولا حزن ، ولا أذى ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) . وفي حديث ابن مسعود : ( ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه كل تحات ورق الشجر ) . وحكمة أخرى أودعها الله في الأمراض لأجسامهم ، وتعاقب الأوجاع عليها وشدتها عند مماتهم ، لتضعف قوى نفوسهم ، فيسهل خروجها عند قبضهم ، وتخف عليهم مؤنة النزع ، وشدة السكرات بتقدم المرض ، وضعف الجسم والنفس لذلك . وهذا خلاف موت الفجاءة وأخذه ، كما يشاهد من اختلاف أحوال الموتى في الشدة واللين ، والصعوبة والسهولة . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن مثل خامة الزرع تفيؤها الريح هكذا وهكذا . وفي رواية أبي هريرة عنه : ( من حيث أتتها الريح تكفؤها ، فإذا سكنت اعتدلت ، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء . ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمه الله ) . معناه أن المؤمن مرزأ ، مصاب بالبلاء والأمراض ، راض بتصريفه بين أقدار الله تعالى ، منصاع لذلك ، لين الجانب برضاه وقلة سخطه ، كطاعة خامة الزرع وانقيادها للرياح ، وتمايلها لهبوبها وترنحها من حيث ما أتتها ، فإذا أزاح الله عن المؤمن رياح البلايا ، واعتدل صحيحا كما اعتدلت خامة الزرع عند سكون رياح الجو إلى شكر ربه ومعرفة نعمته عليه برفع بلائة ، منتظرا رحمته وثوابه عليه . فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب عليه مرض الموت ، ولا نزوله ولا اشتدت عليه سكراته ونزعه ، لعادته بما تقدم من الآلام ومعرفة ما له فيها من الأجر ، وتوطينه نفسه على المصائب ورقتها وضعفها بتوالي المرض أو شدته ، والكافر بخلاف هذا : معافي في غالب